Wednesday, February 22, 2012

دوما مهاجرة




 انا غير معتادة علي الكتابة الابداعية  فعذرا علي عدم الحبكة .... فصول هذه القصة قد تكون قصة اي بيت نوبي في التهجير ....كتبت هذه القصة استجابة لدعوي كتابة التاريخ الاسود ...تاريخ يكتبه المهزوم و المهمش

هجر النوبيون  قسرا اربع  مرات في القرن المنصرم   1902 و 1912و 1932 و 1964، هجرت هذه الأسرة في التعلية الثانية لسد اسوان عام 1932 . و لكن تدور أحداث هذه الحكاية في الستينات من هذا القرن . و نقطة البداية في قصتي حين ولد حسين.
ولد حسين لأب يعمل ساعي في شركة و أمه ربة منزل و يكبره اخوين و أختان . حسين يصغر أخواته بفرق كبير ، مما جعل أخته  الكبرى عائشة او عيشة في العامية المصرية ترضعه مع وليدها الأول . و الأخت الثانية فاطمة او فاطو  باللغة النوبية تجبر علي ترك المدرسة لرعايته و رعاية امها الكبيرة في السن .
الأب مختار أصيب باكتئاب مزمن بعد التهجير ، مما اثر علي ادائه في العمل  و صار يعاير بين اقرأنه  و أقاربه انه مجنون .لذا ذهبت الأم مسك لمقام الإمام الحسين لتدعو الله أن يخفف كرب زوجها و بعد ايام قليل من زيارته اكتشفت حملها  لطفل ، مع أنها تجاوزت الخامسة و الأربعين ، لذا أصرت أن تسمي الوليد حسين تباركا بالإمام الحسين  . تفاءلت مسك خيرا و دعت ان يزيد الله من رزقها بوصول وجه جديد لبيتها. إلا أن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن .
سرح مختار من عمله و ازدادت متاعبه النفسية و زاد انعزاله و أحست مسك أنها قد حوصرت ،فقد  زوجها مصدر رزقه و هي حبلي و واهنة و لا تعرف كلمة بالعربية . الا ان ابناها الشباب علي و إدريس تعهدوا أن يوفروا المال اللازم لمصروفات البيت . إلا أن الأحزان لم تنته في البيت بتوفير القوت ، لم تغفر فاطو لعائلتها إجبارها علي ترك المدرسة و تكون رصيد من الغضب و الحقد علي من حولها و تساءلت لما لم تشفع لي علاماتي العالية أن أواصل تعليمي  ، في حين أن بعض بنات العائلة نجون من شبح الزواج المبكر و ما زلن طالبات في المدرسة.  
و من ناحية أخري ، عملت عيشة علي تخفيف ألام أمها التي تتألم لآلام زوجها الذي لم يمكنها أن تستوعب ما حل به . كذلك اهتمت عيشة ان تبهج أختها الصغيرة فاطو و تطمئنها أن الأيام ستحمل لها يوم ما خبر سعيد . و الخبر السعيد الذي تقصده عيشة هو الزواج من شاب نوبي ، إذا أن النوبيين لا يمكنهم أن يسمحوا أن تختلط الدماء النوبية بالدماء الجوربتية[1]. و بالفعل عبثت كلمات عيشة بمخيلة فاطو و حلمت ببيت تفعل فيه ما يحلو لها و تصير سيدة الدار و تفعل كما تفعل امها و تدعو العمات و الخالات لجلسة ونسوس [2] يتناقلن فيها أخبار العائلة ، من حملت و من خطبت و كيف حال العروس الجديدة مع حماتها. في جلسات الونسوس تشعر مسك بعبق البلدة القديمة ، تشعر بالشئ من القوة  فهي عذبة اللسان بالنوبي ، تشعر مسك انها متسقة مع ما حولها و ليست غريبة كما تشعر دائما في شوارع القاهرة ، فهي تعاني في شوارع القاهرة القاسية من عدم قدرتها علي تحدث العربية ، لذا عليها ان تصطحب فاطو معها في كل مكان.  و من هنا اكتسبت  فاطو شئ من القوة ، فصارت سر أمها و ذراعها الأيمن في البيت .
و لكن خارج حدود البيت و العائلة  لطالما شعرت فاطو بأنها مختلفة فهي السوداء الوحيدة في الفصل و لكنتها يظهر عليها اثر لغتها الأم ، اللغة النوبية ، و هذا كان مثار استهزاء زميلاتها في الفصل ، إلا أنها كانت قوية الشكيمة بما يمكنها من ردعهن ، إلا أنها لم تكن تخفي تأثرها حين يسألها والده الوقور عما بها . و بعد أن تركت المدرسة و تفرغت لأعمالها المنزلية المملة ، التي تعيدها كل يوم بنفس الوتيرة و التي حرمتها من الذهاب لصديقاتها و المرح معهن . شعرت أن أيامها رتيبة ، لا يجد بها ما كان يملاها من مرح الصغيرات .
 و بعد زمن ليس بطويل ،تحققت نبوءة عيشة و جاء العريس ، علي الرغم من  ان فاطو لم تكمل عامها الثالث عشر ، الا أن عمها القاطن في النوبة الجديدة القاحلة ، أتي لها بالقادم المنتظر ، صالح ، شاب طويل شديد السمرة و يحمل قدر لا بأس به من الوسامة و لكنه في أواخر العشرينيات .  لأول وهلة ،فرحت مسك و كأن حمل أزيل عن ظهرها ، لكن سرعان ما اكتشفت أن حياتها يصيبها الشلل بعد ذهاب فاطو التي تعاونها و تؤنسها . كذلك وجلت فاطو فعقلها الصغير لم يدرك عن الزواج سوي الملابس الجديدة و الاراجيد[3] و رسم الحناء . تسارعت وتيرة الأيام و اجتهد الاخان علي و إدريس في تجهيز الأخت الصغيرة و علي الجانب الأخر اجتهدت نساء العائلة في إخضاع الصغيرة إلي عمليات تجميل من اعلي الرأس إلي أخمص القدمين تشتمل علي نزع كل شعرة في الجسد ما عدا شعر الرأس و الحاجبين و الرموش و إلي جانب جلسات  البخار[4].
 لقد  انتهك جسد الصغيرة من قريباتها و كأن ذلك تمهيد لحفل الانتهاك الأكبر الذي سيحظى  به العريس سعيد الحظ . بعد انفضاض المعازيم و انتهاء الاراجيد ، اصطحب صالح عروسه الصغيرة إلي بيت احد أقاربه لقضاء لياليهم الأولي قبل العودة الي النوبة الجديدة القاحلة . أمضت فاطو ليلتها باكية فقد كانت ليلة  دامية و يرجع الفضل في ذلك إلي ختانها علي الأسلوب الفرعوني [5] و جهلها التام بالعملية الجنسية . إلا أن عريسها "الطيب" قال لها : بنات الأصول علي هذا الحال ، ستتعلمين مع مرور الأيام .
و بين آلامها المبرحة و رغبتها في الوقوف لاستقبال طوفان المهنئين ، حاولت فاطو جمع أشلائها المبعثرة . و كان أول ما نطقت به الصغيرة : آنا خائفة و أود العودة إلي بيتنا . ضحكت النسوة و قلن لها : كلنا قلن نفس المقولة ، يا خرقاء زوجك بهي الطلعة و طيب. و مرت الأيام الأولي مؤلمة و مفزعة للصغيرة . إلا أن ألمها الأكبر جاء عند اللحظة الموعودة . كان علي صالح العودة إلي " التهجير "[6] لمتابعة أعماله . ودعت الصغيرة كل ما لها من ذكريات و أهل في القاهرة حيث نشأت و اصطحبها القادم المنتظر إلي ارض تسمي وادي الموت .
طوال الطريق إلي مركز نصر النوبة ، تلاعبت الأفكار السيئة بفاطو ، فما لبثت ان تسترجع مقولات أقاربها عن هذه الأرض القاحلة ، عديمة الحرث و الزرع و التي تعج بالثعابين و العقارب . ارتعدت فرائس الصغيرة و شعر زوجها بانكماشها و حاول أن يهدأ من روعها و قال أنها ارض دميمة و بائسة إذا قورنت بالبلد القديمة . البلد القديمة حيث النيل و النخيل و الزراعة ، سحقا للتهجير صرنا مهاجرين مرة و اثنين و ثالثة و غرق كل ما نملك و رمت لنا الحكومة بالفتات .
وصلت الصغيرة إلي القرية ، بدأت تكتشف بيت العائلة الممتدة الذي ستعيش به مع إخوان زوجها و عائلاتهم . و كان أول تعارف ، حين توافدت نساء القرية لتهنئتها و تفحصنها فهي بنت "مصر"[7] تحمل عطور من جوار اهل البيت و حليها الملونة لم تلبسه امرأة قط في القرية . شعرت ببعض الألفة مع بعضهن و خاصة من يماثلنها في السن ، إلا أن النساء الأكبر منهن سنا مارسن نوعا من السلطة عليهن و طلبوا منهن إعداد شاي و تنتقدنه و إلي ما ذلك من طرق النساء لفرض سلطتهن علي نظيراتهن . و للأسف وقعت الصغيرة بين شقي الرحى بين رغبتها في ان تكون مستقلة و بين حاجات إلي حليفات لتغيير موازين القوي داخل الدار لصالحها . و لكنها لم تنجح فهي بالنسبة لهن الغريبة ، التي تتحدث العربية كثيرا بين طيات جملها النوبية و هي المتعلمة في حين انهن لم يحظين بنفس القسط من التعليم .
و مع الأسف صار قدر فاطو أن تبقي غريبة أينما ذهبت ، تتولي عليها الأيام ، إلا أنها ما زالت تشعر أنها تشتاق لمدرستها و صوت ضحكات البنات ، تشتاق لامها و لحسين الصغير . تمضي فاطو أيامها و تنجب و تهرم و ما زالت تأسي لنفسها و لحظها العاثر ، فهي كالكتلة المصمتة بلا إرادة تحمل من مكان لمكان و تستوحش كل مكان . فهي دوما مهاجرة .


[1] جوربتية : هي جمع جوربتي او الغريب  الغير نوبي
[2] ونسوس: جلسة الونس او الدردشة
[3] الاراجيد : الرقص التقليدي النوبي
[4] يستخدم البخار من خلال تعريض جسد العروس له لسببين الأول تحويل لون رسوم الحناء إلي الأحمر و السبب الثاني تنعيم الجلد و تفتيح مسامه لإزالة ما يعلق به من شوائب .
[5] الختان الفرعوني : اعنف أشكال الختان ، حيث تزال كل الأعضاء الخارجية  و تترك فقط فتحات للجماع و الإخراج .
[6] يصطلح علي مركز نصر النوبة  و هو المكان الذي أقامته الدولة للنوبيين بعد التهجير الاخير في 1964 عدة مصطلحات مثل التهجير او النوبة الجديدة
[7] اصطلح علي تسمية القاهرة بمصر و هذا خير دليل علي مركزية  العاصمة

5 comments:

nubian human said...

رائعة يا طماطم.. وحزينة جدا

Anonymous said...

رغم ان الفكره حلوه بس السرد مش مترابط و واضح ان في عمليه تركيب مسبقه للافكار يعني المراه دايما مضطهده رغم ان دا مش صحيح ف النوبه
يوجد اخطاء في الحكايات و اخطاء في اسامي الشخصيات

Fatma Emam said...

شكرا يا يحي ...بس هو الفرح ها يجي منين في ظل المأساة

anonymous :
انا مش ها اعلق علي كل اللي ذكرته ما عدا نقطة واحدة فكرة اضطهاد المراة في المجتمع النوبي ، انا بشكل واعي قصدت اركز علي دة، لاننا بنغالط نفسنا و ننكر الحقيقة دي . في مظاهر كتير للاضطهاد و احنا متصالحين معاها علي انها جزء من الثقافة او تعودنا عليه

مصطفى الشوربجى said...

انتهيت من قراءة تدوينة تحمل عنواناً عبقرياً
تجربتك فى الكتابة الإبداعية يا فاطمة فى حد ذاته شىء عبقرى و هايل ويبعث على التفاؤل رغم كل مسببات التشاؤم والإحباط ..
اى متابع للواقع الأدبى النوبى .. هيلاحظ بسهولة ان جيل الأدباء النوبيين كله ممن عاصروا فترة التهجير وجاءت كل إبداعاتهم معجونة بذكريات مأساة عاشوها ..
انما جيل الشباب اللى اتولد وعاش فى مصر لم يهدى لنا اى اديب , رغم ان رؤيتهم هتكون اكثر إختلافاً ومعاصرة .. لأن كل علاقتهم بالماضى هو حكايات وصور وبس
إلى اى مدى اثرت على عليهم مأساة التهجير .. شىء مهم جداً لقياس حالة الحنين عند جيل جديد مفترض ان بيحمل راية القضية دلوقتى

العنوان لوحده ... دوماً مهاجرة ... عاوز تعليق منفرد
رصاصة فى هيئة كلمتين تشكل معاناة نفسية بيعيشها معظم النوبيين
زى ظروف بطلة التدوينة ولكن فى العودة العكسية

Fatma Emam said...

انت طرحت قضية مهمة يا مصطفي ان اللي عبروا عن نفسهم كنوبيين هما الجيل اللي شاهد التهجير ...انا ما اعرفش اذا كان في ناس من الجيل الثاني اللي احنا بننتمي لهم نشر اعماله و لا لا . بس انا مهتمة بازاي انا و جيلي شايفين نفسنا و ازاي المدينة و التهجير مسخنا
انا مهووسة بفكرة الوطن اللي بيسكننا مش بس احنا اللي بنسكن فيه